سيد قطب

3679

في ظلال القرآن

وكل هذه المشاهد المروعة الهائلة القاصمة الحاسمة تبدو ضئيلة صغيرة إلى جانب الهول الأكبر . هول الحاقة والقارعة التي يكذب بها المكذبون ، وقد شهدوا مصارع المكذبين . . إن الهول في هذه المصارع - على ضخامتها - محدود إذا قيس إلى هول القارعة المطلق من الحدود المدخر لذلك اليوم المشهود . وهنا بعد هذا التمهيد يكمل العرض ، ويكشف عن الهول كأنه التكملة المدخرة للمشاهد الأولى : « فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ . وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً . فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ . وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ . وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ » . . ونحن نؤمن أن هناك نفخة في الصور وهو البوق تحدث بعدها هذه الأحداث . ولا نزيد في تفصيلها شيئا . لأنها غيب . ليس عندنا من دلائله إلا مثل هذه النصوص المجملة ؛ وليس لنا مصدر آخر لتفصيل هذا الإجمال . والتفصيل لا يزيد في حكمة النص شيئا ، والجري وراءه عبث لا طائل تحته ، إلا اتباع الظن المنهيّ عنه أصلا . فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ، فتبع هذه النفخة تلك الحركة الهائلة : « وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً » . . ومشهد حمل الأرض والجبال ونفضها ودكها دكة واحدة تسوي عاليها بسافلها . . مشهد مروع حقا . هذه الأرض التي يجوس الإنسان خلالها آمنا مطمئنا ، وهي تحته مستقرة مطمئنة . وهذه الجبال الراسية الوطيدة الراسخة التي تهول الإنسان بروعتها واستقرارها . . هذه مع هذه تحمل فتدك كالكرة في يد الوليد . . إنه مشهد يشعر معه الإنسان بضالته وضآلة عالمه إلى جانب هذه القدرة القادرة ، في ذلك اليوم العظيم . . فإذا وقع هذا . إذا نفخ في الصور نفخة واحدة ، وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة . . فهو حينئذ الأمر الذي تتحدث عنه السورة : « فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ » . . والواقعة اسم من أسمائها كالحاقة والقارعة . فهي الواقعة لأنها لا بد واقعة . كأن طبيعتها وحقيقتها الدائمة أن تكون واقعة ! وهو اسم ذو إيحاء معين وهو إيحاء مقصود في صدد الارتياب فيها والتكذيب ! ولا يقتصر الهول على حمل الأرض والجبال ودكها دكة واحدة ، فالسماء في هذا اليوم الهائل ليست بناجية : « وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ » . . ونحن لا ندري على وجه التحقيق ما السماء المقصودة بهذا اللفظ في القرآن . ولكن هذا النص والنصوص الأخرى التي تشير إلى الأحداث الكونية في ذلك اليوم العظيم كلها تشير إلى انفراط عقد هذا الكون المنظور ، واختلال روابطه وضوابطه التي تمسك به في هذا النظام البديع الدقيق ، وتناثر أجزائه بعد انفلاتها من قيد الناموس . . ولعله من المصادفات الغريبة أن يتنبأ الآن علماء الفلك بشيء يشبه هذا تكون فيه نهاية العالم ، استنباطا من ملاحظتهم العلمية البحتة ، وحسب القليل الذي عرفوه من طبيعة هذا الكون وقصته كما افترضوها . . فأما نحن فنكاد نشهد هذه المشاهد المذهلة ، من خلال النصوص القرآنية الجازمة ؛ وهي نصوص مجملة توحي بشيء عام ؛ ونحن نقف عند إيحاء هذه النصوص ، فهي عندنا الخبر الوحيد المستيقن عن هذا الشأن ، لأنها صادرة من صاحب الشأن ، الذي خلق ، والذي يعلم ما خلق علم اليقين . نكاد نشهد الأرض وهي تحمل بجبالها بكتلتها هذه ، الضخمة بالقياس إلينا ، الصغيرة كالهباءة بالقياس إلى الكون ، فتدك دكة واحدة ؛ ونكاد نشهد السماء وهي مشققة واهية والكواكب وهي متناثرة منكدرة . . كل ذلك من خلال النصوص القرآنية الحية ، المشخصة المشاهد بكامل قوتها كأنها حاضرة . .